محمد ابراهيم شادي

53

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

والصبر منه قديما شيمة خلق * وزنده في الوفاء الثاقب الواري ثم يقول ابن أبي الإصبع : " هذه القصيدة أجمع العلماء البصراء بنقد الكلام على تقديمها في هذا الباب على جميع الأشعار التي اقتصت فيها القصص وتضمنت الأخبار ، وإذا نظرت بينها وبين قوله تعالى في سورة يوسف ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) [ يوسف : 100 ] ، علمت تفاوت ما بين الكلامين ، وأدركت الفرق بين البلاغتين " « 1 » . وبالعودة إلى النوع الأول من التنظير نجد ابن أبي الإصبع قد وازن هناك وذكر الخصائص المميزة للآية القرآنية حين كان يوجد التقاء في المعنى بينها وبين أبيات الثقفي التي نقلت عن صاحب الحماسة ، أما في النوع الثاني وحين اختلف الكلامان في المعاني كما في قصة السموأل التي صاغها الأعشى شعرا وآية سورة يوسف التي تلخص قصته مع أخوته ، فإن جهة المعاني فيهما منفكّة ، وإنما تسوغ الموازنة بين بلاغة التعبير في الكلامين حين يكون المعنى واحدا أو متقاربا ، أما حين يختلف الكلامان معنى فلا مجال للموازنة المفصلة التي تكشف عن جهات البلاغة المميزة للآية القرآنية معوّلا في هذا على نظر المتأمل ليدرك تفاوت ما بين الكلامين . وربما كان ابن أبي الإصبع يقصد الموازنة بين طريقة بناء المعاني وكيفية اتصال أجزاء الكلام ، ومدى الإيجاز أو الإطناب ، على أنه لا ينبغي أن يغيب عنا أن إعجاز القرآن عموما أو في قصصه خصوصا يعود بالدرجة الأولى إلى خصوصية المعاني التي لا قبل لأحد بها ، وأن تلك المعاني لما ارتقت ارتقى معها نظمها ووسائل أدائها وبيانها .

--> ( 1 ) بديع القرآن 241 .